محمد هادي معرفة
314
التفسير الأثري الجامع
وهم : الوالدان والأقربون ، ثمّ اليتامى والمساكين وأبناء السبيل . وهذا يربط بين طوائف من الناس ، بعضهم تربطه بالمنفق رابطة الرحم ، وبعضهم رابطة العصب ، وبعضهم رابطة الرحمة ، وبعضهم رابطة الإنسانيّة الكبرى . ولكن هذا الترتيب في الآية وفي آيات أخرى ، والّذي تزيده بعض الأحاديث تحديدا ووضوحا . [ 2 / 5974 ] كالّذي رواه مسلم في الصحيح عن جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال لرجل : « ابدأ بنفسك فتصدّق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا . يقول : فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك » « 1 » . هذا الترتيب يشيء بمنهج الإسلام الحكيم البسيط في تربية النفس الإنسانيّة وقيادتها . إنّه يأخذ الإنسان كما هو ، بفطرته وميوله الطبيعيّة واستعداداته ، ثمّ يسير به من حيث هو كائن ، ومن حيث هو واقف ، يسير به خطوة خطوة ، صعدا في المرتقى العالي : على هيّنة وفي يسر ، فيصعد وهو مستريح ، وهو يلبّي فطرته وميوله واستعداداته ، وهو ينمي الحياة معه ويرقيها ، لا يحسّ بالجهد والرهق ، ولا يكبل بالسلاسل والأغلال ليجرّ في المرتقى ، ولا تكبت طاقاته وميوله الفطريّة ليحلّق ويرفّ ، ولا يعتسف به الطريق اعتسافا ، ولا يطير به طيرانا من فوق الآكام ، إنّما يصعدها به صعودا هيّنا ليّنا ، وقدماه على الأرض وبصره معلّق بالسماء ، وقلبه يتطلّع إلى الأفق الأعلى ، وروحه موصولة باللّه في علاه . قال سيّد قطب : ولقد علم اللّه أنّ الإنسان يحبّ ذاته ، فأمره أوّلا بكفايتها « 2 » ، قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها ، وأباح له الطيّبات من الرزق وحثّه على تمتيع ذاته في غير ترف ولا مخيلة . فالصدقة لا تبدأ إلّا بعد الكفاية . [ 2 / 5975 ] والرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « خير الصدقة ، ما كان عن غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول » « 3 » .
--> ( 1 ) مسلم 3 : 79 . باب البدأة بالنفس في الإنفاق ثمّ الأهل ثمّ القرابة . ( 2 ) حسبما ورد في الحديث النبويّ الآنف . ( 3 ) مسلم 3 : 94 .